بقلم الفنانة والكاتبة

 د . أمينة سالم 

فنان قدير بالمسرح القومي

ليس كل قرار إداري يصبح حدثاً ، وليس كل تعيين يصبح علامة . ولكن تولي الدكتورة نبيلة حسن رئاسة أكاديمية الفنون هو من تلك اللحظات النادرة التي يتقدم فيها المعنى على الشكل الإجرائي ؛ بل وتسبق فيها القيمة المنصب ذاته.

الجدير بالذكر هنا ؛ أن الدكتورة نبيلة تخرجت من المعهد العالي للفنون المسرحية حيث تخصصت في التمثيل والإخراج ؛ وتدرجت في مسارها الأكاديمي والعلمي من طالبة إلى أستاذه جامعية بالأكاديمية قبل أن تتولى مناصب قيادية متعددة داخل المؤسسة وخارجها؛ بما في ذلك وكيل المعهد العالي للفنون المسرحية ؛ ورئيسة قسم التمثيل والإخراج ؛ إضافة إلى رئاستها السابقة للمركز القومي لثقافة الطفل ؛ وبالتالي فهى خبرات اكسبتها فهماً عميقاً للمؤسسة وللبنية التعليمية والثقافية.

لم تأتي الدكتورة نبيلة حسن إلى المنصب محمولة عليه ، بل آتىً هذا المنصب استنادا لتاريخها العلمي والإنساني المحترم ، تاريخ لامرأة عرفت الفن بوصفه رسالة سامية للمعرفة، وقًدرتْ حجم المسؤولية بوصفها أخلاقاً ؛ واحترمتْ مجال التعليم بوصفه فعل بناء لا تكرار أو استنساخ لأشخاص منافقة موتوره ؛ أو لأشخاص تُبع كقرب جوفاء مقهورة ؛ بل غردت نبيلة حسن خارج السرب ؛ فكانت واحدة من القلائل الذين لم يفصلوا يوماً الفن كونه مشاعر إنسانية مقدره. ومن ثم جاءت أكاديمية الفنون كمنهج علمي صارم ؛ فأصبح حضورها دائماً في المنطقة الأصعب وهى منطقة التوازن ؛ والتي لا تحيد فيها عن المبدأ.

مارست الدكتورة نبيلة مشروعها التدريسي بأكاديمية الفنون باعتباره شراكة عقلية لا سلطة معرفية ؛ فتخرج من بين أياديها طلاب يملكون القدرة على طرح السؤال .؟ قبل الإجابة ؛ كما يملكون الرؤية قبل المهارة ؛ لذا فما يميزها في تقديري الشخصي والإنساني هو؛ هذا الحضور الهادئ الذي لا يحتاج إلى ضجيج أو استعراض ؛ كي تفرض احترامها على محيطها ؛ بل تجعلك تصل إليه بنفسك دون ابتذال ، أو إلغاء لكونها ترى نفسها ولا تراك ؛ حازمة دون قسوة ومثقفة دون ادعاء.

من هذا المنطلق فإن رئاستها لأكاديمية الفنون ليست مجرد إدارة مؤسسة ، بل إدارة مناخ ، مناخ افتقدنا فيه كيفية احترام ثقافة الاختلاف ، هذا الذي يصون الفن من الرداءة ؛ ويحمي المعرفة من التحول إلى أوراق مستهلكة بلا هوية.

ففي زمن تتآكل فيه المعايير ، يأتي هذا القرار ليعلن لنا أن الخبرة ما زالت تُرىً ، وبأن الجدارة ما زالت تُقدر..

إن تولي نبيلة حسن لهذا المنصب الرفيع يُعد بمثابة رسالة طمأنةً لكل من يؤمن بأن الفن لا يعيش إلا في بيئة نظيفة عادلة ، ولا يمكن أن يأتي من الروث ؛ وأن التعليم لا يزدهر إلا حين يقوده من احترقوا بأسئلته قبل أن يعتلوا منصاته ؛ وبالتالي فإن القرارات ليست جميعها أحداثاً فارقة ، غير أنها ببعض الأسماء – حين توضع في موضعها الصحيح – تُعيد ترتيب المشهد كله.

تلك هي الدكتورة نبيلة حسن التي لم تنفصل عن ذاتها المعرفية يوماً ؛ أو عن مسيرتها الأكاديمية واشتغالها بالمسرح نظرياً وتطبيقياَ ؛ لذا فإن إدارتها لرئاسة الأكاديمية ليست إدارة ملفات فحسب ؛ بل إدارة مناخ ثقافي وفكري؛ مناخ يحمى الفن من التبسيط والترهل ويصون المعرفة من التحول ؛ ويعود للطالب الملتزم إحساسه كونه شريك في تكوينه لا عائقاً أمامه ؛ وبخاصة في هذه الزمن الذى تستنزف فيه المعايير الأخلاقية ؛ ثم يأتي هذا الاختيار للدكتورة نبيلة لرئاسة أكاديمية الفنون ليؤكد أن الجدارة لا تزال قادرة على الظهور ؛ وأن المؤسسات حين تحسن الاختيار- يمكنها أن تستعيد هيبتها دون صخب . وهنا أستعير قول الشاعر محمود درويش حين قال : ” على هذه الأرض ما يستحق الحياة .. لأن فيها من يجعلون القيمة فعلاً ممتداً ؛ لا شعاراً عابراً ”
ومن ثم فلم يكن ما كتبته في هذا المقال هو نوع من الاحتفاء العابر أو الامتنان المصنوع بقدر . بينما هو نوع من تسليط الضوء على أشخاص يُضيفونَ للمنصبِ رفعة ويجعلونه جديرا بنفسه.

بقلم الفنانة والكاتبة
د. أمينة سالم
فنان قدير بالمسرح القومي

Loading