بقلم : د/ مى محمد زكي
في زمنٍ صارت فيه التفاصيل الصغيرة قادرة على إشعال نزاعات كبيرة، يبدو التغافل كفعلٍ نادر، وربما كفضيلة منسية.
يقولون إن “العين بصيرة”، لكن الحكمة الحقيقية أن تتحول هذه البصيرة إلى استبصار… أن نرى، ثم نختار ألا نقف عند كل ما نراه.
التغافل ليس ضعفًا، ولا هروبًا من المواجهة، بل موقف إنساني ناضج، يختار فيه الإنسان سيادة روحه على فوضى الخارج. هو ليس مجرد مهارة اجتماعية، بل فلسفة حياة، وموقف أخلاقي، وطريقة وجود.
لماذا نحتاج إلى التغافل؟
لأن الحياة لم تُخلق لتكون حلبة صراع دائم،
ولأن العلاقات الإنسانية أعمق من أن تتحول إلى ساحات لتبادل الاتهامات وإثبات من المخطئ ومن المصيب.
نحتاج التغافل لأن:
عقولنا أثمن من أن تُرهق بالتفاهات.
قلوبنا أرق من أن تُستنزف في معارك كلامية بلا جدوى.
أعمارنا أقصر من أن تُهدر في محاولة إصلاح عيوب الآخرين.
فلسفة التغافل… ما بين القوة والحكمة
التغافل هو فن المسافات؛
أن تبتعد خطوة إلى الخلف لترى المشهد كاملًا، فتدرك أن خطأً عابرًا لا يستحق أن يهدم ودًا طويلًا.
وهو أيضًا قوة الرفض الهادئ؛
أن ترفض الانسياق إلى مشكلات تافهة دون صخب، بابتسامة صامتة، لأن أعظم انتصار هو ألا تدخل المعركة أصلًا.
وفي جوهره التغافل هو ترميم للذات
حين تتغافل، أنت لا تمنح الآخر عفوًا فقط، بل تحرر نفسك من أسر ردود الأفعال، وتستعيد قيادتك لمشاعرك ومزاجك وحياتك.
حين يتحول الصمت إلى حكمة
ليس كل ما نعرفه يجب أن نقوله،
وليس كل ما يُقال يستحق أن نرد عليه.
قمة النضج الإنساني أن تمتص الإساءة كما تمتص الأرض المطر، لا لتُغرقها، بل لتحولها في الداخل إلى صمتٍ مُثمر، ونموٍ هادئ، وسلامٍ داخلي.
وقفة أخيرة
التغافل ليس تنازلًا، بل تجاوز…
ليس انكسارًا، بل ارتقاء.
هو أن تسمو فوق الأحداث، لتبقى روحك خفيفة، نظيفة، بعيدة عن غبار التفاصيل المرهقة

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني