بقلم: الكاتب والسياسي المصري / سيد حسن الأسيوطي
ما يجري اليوم في الشرق الأوسط من تحركات وتحالفات ليس حدثًا عابرًا، بل هو بداية مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة موازين القوى. فالمشهد الإقليمي يشهد تحولات واضحة، تعكس إدراكًا متزايدًا بأن استمرار الأوضاع على ما كانت عليه لم يعد ممكنًا، وأن المنطقة لم تعد تحتمل مزيدًا من الفوضى أو إدارة الأزمات بالأساليب التقليدية.
إن التنسيق الواضح بين مصر والسعودية يعكس وعيًا عميقًا بأن أمن المنطقة لم يعد يحتمل التأجيل، وأن غياب الفعل العربي المنظم كان أحد الأسباب الرئيسية في فتح الباب أمام التدخلات الخارجية والصراعات الممتدة. وهذا التنسيق لا يقوم على مصالح ضيقة أو تفاهمات مؤقتة، بل يستند إلى رؤية استراتيجية ترى أن الاستقرار الحقيقي يبدأ من تعاون فعلي بين القوى العربية القادرة على التأثير وصناعة القرار.
فالقاهرة بثقلها السياسي والعسكري والدبلوماسي، والرياض بثقلها الاقتصادي والإقليمي، تمثلان معًا عمود الارتكاز لأي معادلة استقرار حقيقية في المنطقة، بينما يأتي الدور التركي في هذا السياق كعامل إقليمي مساند يمكن توظيفه ضمن توازنات أوسع تخدم الأمن والاستقرار، دون أن يحل محل الإطار العربي أو ينتقص من مركزية القرار العربي في إدارة شؤون الإقليم.
وعلى مدار سنوات، راهنت إسرائيل على الانقسام العربي، واستثمرت بشكل مباشر وغير مباشر في الصراعات الممتدة من ليبيا واليمن إلى العراق وسوريا ولبنان، بل وصل الأمر إلى مناطق شديدة الحساسية مثل الصومال والقرن الإفريقي. غير أن هذا الرهان يواجه اليوم واقعًا مختلفًا، مع بروز تنسيق إقليمي واضح، ودعوات صريحة إلى تشكيل تحالف دفاعي عربي مشترك، يعيد الاعتبار لمفهوم الأمن القومي العربي بوصفه منظومة واحدة لا ملفات متفرقة.
إذ إن الدعوة إلى تحالف دفاعي عربي لم تعد مجرد شعارات سياسية أو أطروحات نظرية، بل أصبحت ضرورة تفرضها التحديات المتراكمة، ونزيف الدم، وحالة الانقسام التي أنهكت المنطقة. تحالف يضم الدول العربية الحريصة على الأمن والاستقرار، ويستهدف حماية السيادة الوطنية، ومنع تفكيك الدول، ووقف تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
فالشرق الأوسط الجديد لا يُبنى بالشعارات وحدها، بل بالإرادة السياسية، والتنسيق الحقيقي، والعمل المشترك. وما نشهده اليوم يمثل بداية تصحيح لمسار طويل اختل بفعل الانقسام والتردد. ومن يظن أن المنطقة ستظل بلا رد أو موقف موحد، سيكتشف أن قواعد اللعبة بدأت تتغير، وأن زمن الهيمنة الخارجية يقترب من نهايته، إذا ما اكتملت الإرادة العربية وامتلكت قرارها في حماية أمنها ومستقبلها.

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني