شهد الجنوب اليمني منذ عام 2019 تحولات لافتة مع إعلان دولة الإمارات تقليص ثم سحب الجزء الأكبر من قواتها العسكرية، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول دوافعها وانعكاساتها على مسار الصراع اليمني والإقليمي. ويمكن قراءة هذا الانسحاب ضمن مجموعة من العوامل المتداخلة:
أولًا: الحسابات الاستراتيجية للإمارات
-
إعادة تموضع لا انسحاب كامل: أبوظبي لم تغادر المشهد كليًا، بل أعادت ترتيب أدوات نفوذها عبر دعم قوى محلية حليفة، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي.
-
تقليل الكلفة: تزايد الكلفة العسكرية والسياسية، خاصة بعد الانتقادات الدولية، دفع الإمارات لتقليل الوجود المباشر دون التخلي عن المصالح.
ثانيًا: تباين الأجندات داخل التحالف
-
ظهر اختلاف واضح بين الرؤية السعودية (دعم حكومة يمنية موحدة) والرؤية الإماراتية (التركيز على الجنوب والموانئ وخطوط الملاحة).
-
هذا التباين انعكس في صدامات غير مباشرة بين قوات موالية لكل طرف، خاصة في عدن وأبين.
ثالثًا: البعد الجيوسياسي والاقتصادي
-
الجنوب اليمني يمثل أهمية استراتيجية كبرى بسبب موقعه على باب المندب وسواحل بحر العرب.
-
اهتمام الإمارات بالموانئ والجزر (عدن، المخا، سقطرى) جعلها تسعى لنفوذ طويل الأمد بأدوات غير عسكرية مباشرة.
رابعًا: الضغوط الدولية والإقليمية
-
الانتقادات الحقوقية وتداعيات الحرب على صورة الإمارات الدولية، خاصة في الغرب.
-
تصاعد التوتر مع إيران في تلك الفترة، ما دفع أبوظبي لتخفيف الانخراط العسكري المفتوح في ساحات متعددة.
خامسًا: الانعكاسات على الجنوب اليمني
-
تعقيد المشهد الداخلي مع تصاعد النزعات الانفصالية.
-
إضعاف الحكومة الشرعية في مقابل تعزيز سلطات الأمر الواقع.
-
بقاء الجنوب ساحة صراع نفوذ إقليمي غير محسوم.
خلاصة
انسحاب الإمارات من جنوب اليمن لا يمكن فهمه كخطوة أحادية أو تراجع، بل هو تحول في أسلوب إدارة النفوذ: من التدخل العسكري المباشر إلى التأثير عبر الوكلاء المحليين. هذا التحول عمّق الانقسام داخل اليمن، وكرّس الجنوب كأحد مفاتيح الصراع الإقليمي المفتوح بين القوى العربية والإقليمية.
![]()
