د.مروة الليثي استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري
لم تكن حقيبة السفر الملقاة في أحد شوارع منطقة الأزاريطة بمحافظة الإسكندرية مجرد قطعة مهملة على جانب الطريق، بل كانت شاهدًا صامتًا على واحدة من أبشع الجرائم التي هزّت الضمير الإنساني قبل أن تهز الشارع السكندري. جريمة لم تبدأ عند لحظة القتل، بل بدأت قبلها بكثير… حين قرر إنسان أن يستبيح ضعف إنسان آخر.
داخل الحقيبة، كانت هناك سيدة، انتهت حياتها بطريقة قاسية، طعنات متكررة، وعنف لا يمكن تبريره بأي دافع. جريمة حملت في تفاصيلها كل معاني الاستهانة بالحياة، واستغلال الضعف، والغياب الكامل للرحمة.
التحقيقات كشفت أن الجريمة بدأت في شقة سكنية بإحدى مناطق شرق الإسكندرية، حيث تم استدراج الضحية، التي كانت تعاني من إعاقة ذهنية، بدافع السرقة. لم يُنظر إليها كإنسانة، بل كفرصة. وبعد تنفيذ الجريمة، لم يتوقف العنف عند القتل، بل امتد إلى محاولة طمس الجريمة والتخلص من الجسد بإلقائه داخل حقيبة سفر في أحد شوارع الأزاريطة.
المشهد الأكثر قسوة في هذه الجريمة ليس عدد الطعنات، ولا طريقة التخلص من الجثة، بل فكرة أن هناك من يعيش بيننا قادر على أن يرى الضعف دعوة، لا مسؤولية. قادر على أن يرى الإنسان شيئًا، لا قيمة له إلا بما يملك.
هذه الجريمة تعيد طرح سؤال مؤلم:
كيف يتحول البشر إلى أدوات عنف؟
ومتى يصبح غياب الوعي، والفقر القيمي، والتجرد من الضمير، بيئة خصبة لجرائم لا تعرف معنى الشفقة؟
نحن لا نواجه فقط جريمة قتل وقعت في شارع من شوارع الإسكندرية، بل نواجه أزمة أعمق؛ أزمة قيم، وأزمة حماية للفئات الأضعف في المجتمع، وأزمة صمت أحيانًا أمام إشارات خطر كان يمكن الانتباه لها مبكرًا.
رسالة توعية
ما حدث في الأزاريطة ليس مجرد خبر عابر، بل جرس إنذار.
حماية الفئات الضعيفة ليست مسؤولية الأسرة فقط، بل مسؤولية مجتمع كامل.
الصمت عن السلوكيات العنيفة أو المشبوهة قد يجعلنا شركاء غير مباشرين في المأساة.
الوعي، والتدخل المبكر، والإبلاغ عن أي تهديد أو استغلال، قد ينقذ حياة.
العنف لا يبدأ بالسكين، بل يبدأ بفكرة، وبلا ضمير يردعها.
ومجتمع لا يحمي أضعف أفراده، هو مجتمع مهدد في أمانه كله.
![]()
