د.مروة الليثي استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري
في حادثة هزت الرأي العام مع بداية عام 2026، استيقظ أهالي منطقة المنيرة الغربية على خبر مفجع بطله شاب مكافح يعمل “طيار دليفري”. لم تكن نهايته بسبب حادث طريق أو إرهاق العمل، بل كانت ضريبة “شهامة” دفعها من دمه وسط الشارع.
أولاً: تفاصيل الجريمة (ماذا حدث؟)
بدأت الواقعة عندما شاهد الشاب المجني عليه صديقاً له يقع في مشاجرة مع آخرين. بدافع الجدعنة والشهامة المصرية المعهودة، لم يقف الشاب موقف المتفرج، بل تدخل لفض النزاع وحماية صديقه.
بدلاً من أن تنتهي المشاجرة بالصلح، تحول الغضب تجاه “منقذ الموقف”. وفي لحظة غابت فيها الإنسانية، استل الطرف الآخر سلاحاً أبيض ووجه طعنة نافذة ومباشرة إلى قلب الشاب، سقط على أثرها غارقاً في دمائه، ليفارق الحياة قبل وصوله إلى المستشفى، مخلفاً وراءه جرحاً غائراً في قلوب أسرته وزملائه.
ثانياً: التحليل النفسي للجريمة (لماذا وصلنا لهذا العنف؟)
وقوع جريمة قتل من أجل “تدخل في خناقة” يشير إلى خلل نفسي عميق في شخصية الجاني، يحلله الخبراء في عدة نقاط:
هشاشة الضبط النفسي: نحن أمام جيل يعاني من “ضعف السيطرة على الاندفاعات”، حيث تتحول الشرارة البسيطة إلى رغبة في القتل الفوري دون تفكير في العواقب.
تضخم “الأنا” الزائف: يرى القاتل في السلاح الذي يحمله مصدر قوة، ويعتبر أن التراجع أو التفاهم “نقص في الرجولة”، مما يدفعه لإنهاء الخلاف بالدم لإثبات السطوة.
تأثير العنف البصري: الاعتياد على مشاهد العنف في الدراما والسينما يقلل من هيبة الموت في نفوس الشباب، ويجعل فكرة “الطعن” تبدو سهلة كأنها مشهد تمثيلي.
ثالثاً: الجانب التوعوي (كيف نحمي مجتمعنا؟)
هذه الحادثة ليست مجرد خبر في صفحة الحوادث، بل هي صرخة لإعادة النظر في تعاملنا اليومي:
تغليظ العقوبات: لا بد من تطبيق رادع قانوني سريع وحاسم في جرائم السلاح الأبيض، ليعلم الجميع أن “المطواة” في جيبك هي تذكرة دخولك للسجن المؤبد أو الإعدام.
ثقافة “طلب الشرطة”: الشهامة لا تعني دائماً الاشتباك البدني. التوعية بضرورة إبلاغ السلطات فوراً عند رؤية سلاح هي الأسلوب الأضمن لحماية الأرواح.
دور الأسرة: يجب تربية الأبناء على أن “القوة” تكمن في ضبط النفس وليس في استعراض العضلات، وأن حياة الإنسان أغلى من أي خلاف عابر.
دعم “الفئات الضعيفة”: عمال الدليفري يمثلون شريحة هامة وخدمية، ويجب توفير حماية مجتمعية لهم وتوعية المواطنين بتقدير جهدهم بدلاً من الاحتكاك بهم.
خاتمة: رحل “دليفري المنيرة” تاركاً درساً قاسياً؛ أن الشهامة في مجتمع يغيب فيه الوعي قد تكون مكلفة جداً. رحم الله الفقيد، وألهم أهله الصبر، وجعل دمائه سبباً في إيقاظ ضمير المجتمع لمواجهة بلطجة الشوارع.
![]()
