رنا عادل
تربية الأطفال عملية متكاملة، فكل تصرف مهما بدا بسيطا قد يترك أثرا تربويا عميقا ويسهم في تنمية قدراتهم ومهاراتهم؛ حيث أشار تقرير لصحيفة “الإندبندنت” إلى أن الخبراء يعتبرون مصروف الأطفال وسيلة تربوية لطيفة لتعريفهم بمفهوم الادخار، إذ يساعدهم على تخصيص جزء من أموالهم لشراء ما يرغبون به لاحقا، وهو ما يعزز لديهم الشعور بالسيطرة على قراراتهم وبناء الثقة بالنفس، ومع التقدم في العمر يمكن أن يتحول المصروف إلى محاكاة واقعية للحياة العملية، من خلال تعليم الأطفال كيفية إدارة نفقات بما يكسبهم مهارات مالية مبكرة تفيدهم في المستقبل.
ما السن المناسب لإعطاء طفلك مصروفا؟
في هذا السياق، توضح الخبيرة التربوية الدكتورة بثينة عبدالرؤوف، في حديثها لـ”الشروق”، أن فكرة إعطاء الطفل مصروفا يجب أن تقدم بشكل تدريجي ومدروس طبقا لعمر الطفل وقدرته على الفهم، وليس بمجرد دخوله المدرسة.
وأشارت إلى أن الطفل كان قديما يلتحق بالمدرسة في سن السادسة، وكان من المنطقي في هذا السن أن يبدأ في الحصول على مصروف يومي بسيط لشراء احتياجات محددة وتحت إشراف الأهل، أما الآن ومع التحاق الأطفال بالمدرسة في سن ثلاث أو أربع سنوات، فإن منح الطفل مصروفا خاصا في هذا العمر قد لا يكون مناسبا؛ نظرا لصغر سنه وعدم اكتمال وعيه بقيمة المال.
طرق بديلة لتعليم الطفل مهارات التعامل مع المال
ترى الدكتورة بثينة أن البديل الأفضل هو تدريب الطفل تدريجيا على مفهوم المال والشراء، عن طريق الأنشطة اليومية العادية كالذهاب إلى السوبر ماركت أو أي مركز للتسوق؛ فيمكن للأم أو الأب أن يشركا الطفل في تجربة الشراء من خلال إعطائه مبلغا رمزيا بشكل غير مباشر، ثم توضيح الخيارات المتاحة أمامه وشرح أن هذا المبلغ يسمح بشراء عدد محدود من السلع.
وأضافت أن هذه التجربة حتى وإن كان المال في يد الوالدين وليس في يد الطفل مباشرة، تعد خطوة مهمة لفهم العلاقة بين قيمة السلعة وقيمتها المادية، وتساعد الطفل على فهم فكرة أن المال ليس متاحا بلا حساب، ومع تكرار هذه التجربة على مدار عام أو عامين يبدأ الطفل في استيعاب فكرة الاختيار والالتزام بالحدود.
كيف تدرب طفلك على مهارة الشراء تدريجيا؟
أكدت الخبيرة التربوية أنه في عمر خمس أو ست سنوات، يمكن إعطاء الطفل مبلغا بسيطا (مثل عشرة جنيهات)، لشراء غرض محدد مع المتابعة في الأماكن التي يتردد عليها الطفل باستمرار كالنوادي وأي مكان قريب من المنزل، ومع مرور الوقت وتحت إشراف الأهل يكتسب الطفل مهارة الشراء واتخاذ القرار.
وأوضحت أنه بعد سن الثامنة تقريبا يمكن أن يستقل الطفل نسبيا بمصروفه، بعدما يكون قد مر بجميع المراحل السابقة، فهو في هذه المرحلة يصبح قادرا على الموازنة بين احتياجاته، فيدرك أن المبلغ المتاح يمكن أن يشتري به طعاما إذا كان جائعا، أو حلوى إذا رغب في ذلك دون أن يتجاوز الميزانية المحددة، وقد يتمكن أحيانا من الاحتفاظ بجزء من المال.
مساحة للاختيار تعزز الثقة بالنفس
شددت الخبيرة التربوية على أهمية إتاحة مساحة للاختيار للطفل، حتى لو كانت الخيارات محدودة ومحددة مسبقا من قِبل الأهل، فبدلا من إجباره على شراء شيء بعينه يمكن عرض عدة بدائل مناسبة وترك القرار النهائي له، وهو ما يمنحه شعورا بالاستقلالية والثقة بالنفس.
وحذرت من حرمان الطفل تماما من المصروف، لأن ذلك قد يؤثر سلبا على شعوره بالمسئولية وقدرته على اتخاذ القرار، كما قد يشعر بالحرمان مقارنة بأقرانه، وفي المقابل فإن إعطاء الطفل حرية مطلقة أو مبالغ كبيرة دون توجيه يُعد أسلوبا خاطئا أيضا.
واختتمت الدكتورة بثينة عبدالرؤوف حديثها بالتأكيد على أن المصروف ليس مجرد مال، بل أداة تربوية تعلم الطفل قيمة المال وضبط النفس وتحمل المسئولية واتخاذ القرار في حدود الإمكانيات المتاحة، وهو ما يساهم في تكوين شخصية متوازنة وقادرة على الاختيار.
هل يجب التعامل مع المصروف كمكافأة على الأعمال المنزلية؟
بالإضافة للنصائح السابقة، يوجد خطأ شائع بين العديد من أولياء الأمور يجدر الحذر من أثره السلبي؛ وهو ربط المصروف بمساهمة الطفل في الأعمال المنزلية ومساعدة أسرته، حيث يشير تقرير “الإندبندنت” إلى أن الخبراء يرون أن هذا التصرف يعزز مفهوم العلاقة بين الجهد والمكافأة، لكنهم يشددون في الوقت نفسه على أهمية أن يفهم الأطفال أن مساهمتهم لا تقتصر على العائد المادي، بل تعود بالنفع على الأسرة وعلى شعورهم بالرضا والمسئولية.
![]()
