د.مروة الليثي استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري
كثيرون يظنون أن التربية تنتهي عند سنٍ معين، وأن ما تشكل في الطفولة يبقى كما هو. لكن الحقيقة النفسية أعمق من ذلك؛ فالإنسان يملك قدرة مستمرة على إعادة تشكيل ذاته، مهما تقدم به العمر.
قد يكبر الفرد وهو يحمل أفكارًا عن نفسه زرعتها بيئته الأولى:
“أنا غير كافٍ”
“يجب أن أُرضي الجميع”
“الحب مشروط بالإنجاز”
ومع مرور السنوات، تبدأ هذه الرسائل في الظهور داخل علاقاته وقراراته وطريقة نظرته لنفسه. هنا يبرز سؤال مهم: هل نظل أسرى لما تعلمناه؟ أم يمكننا أن نعيد تربية أنفسنا بوعيٍ جديد؟
إعادة التربية لا تعني إنكار الماضي، بل فهمه. تعني أن ألاحظ أن خوفي من الرفض قديم، وأن اندفاعي لإثبات ذاتي ربما هو محاولة طفل كان يبحث عن تقدير. حين أرى جذور سلوكي، أمتلك فرصة التغيير.
في كل مرحلة عمرية تتاح لنا فرص مختلفة للنضج:
في الشباب: نعيد تعريف هويتنا بعيدًا عن توقعات الأسرة.
في منتصف العمر: نراجع أنماطنا العاطفية ونصحح اختياراتنا.
في الكِبر: نتعلم التسامح مع الذات ونمنحها الأمان الذي افتقدته.
إعادة تربية النفس تقوم على ثلاث ركائز:
الوعي بما نحمله من معتقدات قديمة.
القبول دون جلد ذات أو إنكار.
التدريب على سلوكيات جديدة أكثر اتزانًا.
قد لا نستطيع تغيير ما حدث، لكن يمكننا أن نختار كيف نعيش ما تبقى. فالنضج الحقيقي ليس في عدد السنوات، بل في قدرتنا على أن نصبح لأنفسنا الأب والأم الداعمين الذين احتجنا إليهما يومًا.
وكل مرحلة عمرية ليست نهاية، بل فرصة جديدة لإعادة كتابة الحكاية.

Loading