د مروة الليثي استشاري الصحه النفسيه والارشاد الاسري
الحزن ليس مجرد شعور عابر يمر بالقلب ثم يرحل، بل حالة نفسية معقّدة قد تمتد آثارها إلى الجسد والعقل معًا. كثيرون يظنون أن الحزن يسكن المشاعر فقط، لكن العلم يؤكد أن ما يؤلم النفس قادر على إنهاك الجسد، وربما إصابته بأمراض حقيقية إذا طال أمده ولم يجد طريقه إلى التفريغ والشفاء.
أولًا: التأثير النفسي للحزن
عندما يطول الحزن، يتحول من استجابة طبيعية لفقد أو خيبة إلى عبء نفسي ثقيل، وقد يؤدي إلى:
اضطرابات القلق والاكتئاب
فقدان الشغف والانسحاب الاجتماعي
ضعف التركيز واتخاذ القرار
اضطرابات النوم ما بين الأرق أو النوم المفرط
جلد الذات والشعور المستمر بالذنب أو العجز
ومع الوقت، يصبح العقل في حالة استنزاف دائم، كأنه يعيش في وضع “الإنذار” دون راحة.
ثانيًا: كيف ينعكس الحزن على الجسد؟
الجسد لا يفصل نفسه عن المشاعر، بل يترجمها لغةً بيولوجية واضحة، ومن أشهر الآثار الجسدية للحزن:
ضعف جهاز المناعة وكثرة الإصابة بالأمراض
اضطرابات الجهاز الهضمي مثل القولون العصبي
صداع مزمن وآلام في الرقبة والظهر
تسارع ضربات القلب أو الشعور بالاختناق
اضطرابات الشهية (إفراط أو فقدان الأكل)
إرهاق دائم دون سبب عضوي واضح
وقد أثبتت الدراسات أن الحزن المزمن يرفع من مستوى هرمونات التوتر، مما يؤثر سلبًا على القلب والضغط والسكر على المدى الطويل.
ثالثًا: لماذا لا يجب قمع الحزن؟
كبت الحزن لا يعني تجاوزه، بل تخزينه داخل الجسد.
المشاعر التي لا تُعاش بوعي، تتحول إلى أعراض.
والبكاء المكبوت، والكلمات غير المنطوقة، والألم الذي لم يُحكَ… كلها تبحث عن منفذ، وغالبًا ما تجده في الجسد.
رابعًا: طرق عملية للتخلص من الحزن بشكل صحي
التخلص من الحزن لا يعني إنكاره، بل التعامل معه بوعي ورحمة:
الاعتراف بالمشاعر
اسمح لنفسك أن تشعر دون جلد أو مقارنة. الحزن ليس ضعفًا، بل استجابة إنسانية طبيعية.
التعبير بدل الكبت
الكتابة، التحدث مع شخص آمن، أو حتى البكاء… كلها وسائل تفريغ ضرورية للشفاء.
تنظيم الجسد أولًا
النوم الجيد، شرب الماء، الحركة اليومية البسيطة؛ خطوات صغيرة لكنها تعيد التوازن النفسي تدريجيًا.
فصل ما تستطيع تغييره عما لا تستطيع
بعض الأحزان سببها التعلق بما خرج عن سيطرتنا، والوعي بهذه الحقيقة يخفف العبء الداخلي.
ممارسة الامتنان الواقعي
ليس تجاهل الألم، بل موازنته برؤية ما لا يزال قائمًا في حياتك.
اللجوء للمختص النفسي عند الحاجة
العلاج النفسي ليس رفاهية، بل مساحة آمنة لفهم الألم وتحريره بدل أن يتحول إلى مرض.
ختامًا
الحزن رسالة، لا عدو.
إن أصغينا له بوعي، قادنا إلى الشفاء.
وإن تجاهلناه، تسلل إلى الجسد في صمت.
العناية بالصحة النفسية ليست فقط لإنقاذ الروح، بل لحماية الجسد أيضًا، فهما وجهان لعملة واحدة: الإنسان.
![]()
