د.مروة الليثي استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري
حالة واقعية تكشف الأعراض كما هي
كان عمره سبعةً وعشرين عامًا،
هادئ الطباع، متفوقًا في دراسته، لا يشكو أحد من سلوكه.
كل ما لاحظه المقرّبون منه
أنه أصبح أقل كلامًا،
أكثر انعزالًا،
وكثير الشرود.
في البداية، فُسّر الأمر على أنه ضغوط نفسية أو إرهاق.
لكن الحقيقة كانت أعمق.
بدأ يشكو من أن الناس “تراقبه”،
ليس مراقبة عادية،
بل شعور ثابت بأن هناك من يتعمد إيذاءه أو التشويش عليه.
كان يسمع صوته الداخلي وكأنه قادم من الخارج،
ويفسّر الهمسات العادية
على أنها رسائل خفية موجهة له وحده.
هنا، لم نكن أمام قلق عابر،
بل أمام بداية الفُصام.
ما هو الفُصام؟
الفُصام ليس “ازدواج شخصية” كما يعتقد البعض،
وليس ضعفًا في الإيمان أو الأخلاق،
بل اضطراب نفسي شديد
يؤثر على طريقة تفكير الإنسان،
وإدراكه للواقع،
وتفسيره للأحداث من حوله.
المريض لا “يتخيل” فقط،
بل يعيش واقعًا مختلفًا
يبدو له حقيقيًا تمامًا.
الأعراض من خلال الحالة
1- الأعراض الإيجابية (ما يظهر ويُلاحظ)
الضلالات:
كان مقتنعًا بأن هاتفه مُخترق،
وأن بعض الجُمل التي يسمعها في الشارع
تحمل تهديدًا مبطنًا له.
الهلوسات السمعية:
أصوات واضحة،
تعلّق على أفعاله،
أحيانًا تأمره،
وأحيانًا تهاجمه.
التفكير غير المنطقي:
يربط بين أحداث غير مرتبطة،
ويفسر الصدفة على أنها دليل قاطع.
2- الأعراض السلبية (الأخطر والأكثر إهمالًا)
وهي التي جعلت أهله يظنون أنه “كسول” أو “تغير للأسوأ”:
انسحاب اجتماعي واضح
فقدان الاهتمام بالأشياء التي كان يحبها
برود عاطفي
ضعف التعبير عن المشاعر
إهمال المظهر والنظافة الشخصية
هذه الأعراض غالبًا تُساء قراءتها،
مع أنها جوهر المرض.
3- الأعراض المعرفية
ضعف التركيز
تشتت الانتباه
صعوبة اتخاذ القرار
بطء في معالجة المعلومات
وكان هذا سبب فقدانه لوظيفته،
لا لأنه غير كفء،
بل لأنه لم يعد قادرًا ذهنيًا على الأداء المعتاد.
لماذا يتأخر التشخيص؟
لأن الفُصام لا يبدأ فجأة.
هو يتسلل بهدوء:
تغيرات بسيطة،
عزلة،
ريبة،
اضطراب نوم،
ثم تتضح الصورة.
والوصمة المجتمعية
تجعل الأسرة تخشى الاعتراف
أو طلب المساعدة المبكرة.
هل الفُصام قابل للعلاج؟
نعم.
وبوضوح: نعم.
بالعلاج الدوائي المنتظم،
والدعم النفسي،
والتأهيل الاجتماعي،
يمكن للمريض أن يستعيد قدرًا كبيرًا من الاستقرار،
ويعيش حياة منتجة.
في حالة هذا الشاب،
بعد الالتزام بالعلاج،
هدأت الأصوات،
خفّت الضلالات،
وعاد تدريجيًا للتواصل مع العالم.
ليس كما كان تمامًا،
لكن… أفضل بكثير مما كان عليه في ذروة المرض.
كلمة توعوية أخيرة
الفُصام ليس جريمة،
ولا وصمة،
ولا خطرًا تلقائيًا كما يُصوَّر في الدراما.
الخطر الحقيقي
هو التأخر في الفهم،
والتجاهل،
وترك المريض وحيدًا
داخل واقع لا يشاركه فيه أحد.
حين نفهم الفُصام بوعي،
نُخفف الألم،
وننقذ بشرًا
كان كل ذنبهم
أن عقولهم خانتهم يومًا.

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني