ما إن يقترب شهر رمضان حتى تمتلئ المنصات الرقمية بسيل من مقاطع الفيديو التي تعرض أفكار للاستعداد للشهر الكريم، من تزيين المنازل، وتجهيز السفرة، وأشكال الفوانيس والزينة الحديثة. ولكن هذا الحضور الكثيف للمحتوى لم يعكس مظاهر الاستعداد فقط بل ساهم تدريجيا في إعادة تشكيلها فانتقلت كثير من التفاصيل من نطاق العادة المتوارثة إلى نماذج قابلة للتقليد، وتبدلت ملامح بعض الطقوس وأشكال الاحتفال، ليتغير معها شكل العادات نفسها وطريقة استقبال رمضان.
عادات مصرية لم تعد كالسابق
قال الباحث في العلوم الاجتماعية والثقافة الشعبية عماد الدين عبد الهادي في تصريحات لـ”الشروق”، إن شكل الاستعداد لرمضان في المجتمع المصري شهد تحولات واضحة، نتيجة عدة عوامل ومن أهمها التعرض لصناع المحتوى، فهو يرى أن تأثير صناع المحتوى لم يزد من الاستهلاكية كما يقال لأن رمضان بشكل عام دائما ما ارتبط بها، وإنفاق الأموال على تلك المناسبات هو في الأساس جزء من تكوين المجتمع المصري، إضافة إلى أن الإنفاق قد قل بالفعل بسبب التحديات الاقتصادية التي تواجهها الأسر، لكن التغييرالأبرز هو في طريقة الاستعداد نفسها.
وأوضح أن الزينة مثلا قديما كانت تصنع من الخامات البسيطة والشعبية ولا يقصد بشعبية معناها المتداول حاليا بل المقصود هو اختصاصها بروح مصرية أصيلة في طريقة صنعها وتحضيرها، وفي كونها كانت تعلق في الشوارع بمشاركة مختلف الطبقات الاجتماعية، فلم يكن يقتصر هذا التقليد على المناطق الشعبية كما يحدث غالبا الآن. فقد تقلصت هذه العادة وأصبح الشائع أكثر تزيين البيوت بدلا من الشوارع والاعتماد على أدوات وخامات مستحدثة ومصنعة سلفا، أو التزيين بأسلوب دخيل على الثقافة المصرية.
ويروي عبد الهادي أنه من أبرز الاستعدادات التي شارفت على الاندثار هي التخطيط في كل منطقة سكنية للدورات الرمضانية قبل رمضان بفترة، وهو ما لم يعد يقام الآن بشكل موسع وحتى لو تم يكون بشكل أقرب إلى “الشو” منه إلى تقليد اجتماعي. بالإضافة إلى أنه وبالرغم من توافر العديد من البرامج التليفزيونية الآن ولكن لم تعد هناك برامج تحصل على نفس الدرجة من الانتظار والإعجاب التي كانت تحظى بها البرامج الرمضانية في السابق.
وأشار إلى أن حتى الفانوس في الأصل لم يكن مجرد عنصر زينة، بل ارتبط تاريخيا بالإضاءة وتنوير الطرق وحمل دلالة وظيفية وثقافية، فإضاءة الشوارع في المناسبات جزء من العادات المصرية، وقد برز استخدام الفوانيس لإضاءة الشوارع منذ العصر الفاطمي، وهو ما استمدوه بدورهم من المصريين القدماء الذين كانوا يقومون بإضاءة الشوارع في أعياد الربيع، لكن في هذه الأيام تغيرت حتى أشكال الفوانيس وصارت أقرب للمظاهر الأجنبية والخليجية.
هل نجح صناع المحتوى في إبراز العادات المصرية؟
ويرى عبد الهادي أن هذا التحول ارتبط أيضا بصعود دور صناع المحتوى، الذين أصبحوا يقدمون نماذج جاهزة لما يجب أن تكون عليه الزينة أو السفرة المثالية. فبعد أن كان الناس يعتمدون على الموروث الذاتي لديهم والتجربة الشخصية والخبرة المتراكمة عبر الأجيال، صار كثيرون يستمدون أفكارهم من مقاطع الفيديو والمنصات القصيرة، وهو ما أثر على المعايير الجمالية وقلل من الخصوصية المحلية في التزيين والاحتفال، وأصبحت مظاهر الاحتفال تقدم في صورة تجارية بحتة مفرغه من سياقها الاجتماعي وتحولت إلى ما يشبه الفانتازيا والفلكلور، ففي رأيه لم ينجح صناع المحتوى في نقل العادات المصرية بما يليق بها أو تقديمها بشكل صحيح.
أهمية الحفاظ على البعد الروحاني وسط زحام الاستعدادات
من الناحية النفسية، أوضح الأخصائي النفسي الإكلينكي عمرو مجاهد لـ”الشروق”، أن رمضان يعد موسما للمشاعر قبل أي شيء، حيث تحدث حالة من التهيئة الوجدانية الجماعية، فيشعر الفرد أنه ينبغي أن يستعد للشهر كما يفعل الآخرون وأن يعيش الأجواء نفسها، وهذا الإحساس بالانتماء قد يكون إيجابيا، لكنه يتحول إلى مصدر ضغط عندما يرتبط بالمقارنة والقدرة على الشراء خاصة عند التعرض الكثيف لمحتوى وسائل التواصل، الذي يعرض نماذج مثالية للزينة والطعام والطقوس يدفع البعض إلى مقارنة مستمرة قد تؤدي في النهاية إلى جلد الذات وانخفاض تقديرها، بل وظهور أعراض اكتئاب موسمي لدى بعض الأشخاص.
ويؤكد مجاهد ضرورة عدم الانغماس في تلك التحضيرات بشكل مبالغ فيه لدرجة تطغى على الجانب الروحاني، فإشباع الجانب الروحي لا يرتبط فقط بقيمة الشهر الدينية بل أيضا بالاستقرار النفسي، فينصح باستغلال روحانيات شهر رمضان كفرصة لتهدئة الروح والاقتراب من الذات والابتعاد عن المقارنات والمشتتات، إذ يساعد ذلك على تخفيف القلق واستعادة المعنى الحقيقي للتجربة وتمنع تحول الشهر إلى عبء نفسي.
![]()
