بقلم✍️د.مروة الليثي #دليلك الطمأنينة
ليلى… فتاة عاشت عمرها كله على مبدأ واحد: “إرضاء الآخرين قبل نفسها.”
لم تكن مشكلتها ضعف الذكاء ولا نقص القدرة، بل كانت أزمة تربية جعلت “الموافقة” أسلوب حياة، و”الخوف من الرفض” قانونًا داخليًا لا يُكسر.
كبرت ليلى وهي تسمع كلمات مثل:
“اسكتي… ما تعليش صوتك.”
“اعملي اللي يرضي الناس.”
“الست الكويسة لازم تتحمل.”
ومع كل تكرار، كانت تتشكل داخلها امرأة لطيفة… لكنها منكسرة، مطيعة، تحاول طوال الوقت أن تكون كما يريد الآخرون.
البداية… زواج كشف كل شيء
عندما تزوجت ليلى، ظنت أن الطاعة واللطف هما مفاتيح السعادة الزوجية.
وهكذا كررت نمط حياتها القديم… لكن بشكل أشد.
زوجها كان رجلًا مسيطرًا، يرى أن الرأي رأيه، وأن “الست الشاطرة” هي التي لا تعترض.
ولأن ليلى اعتادت الانحناء، ارتاحت له في البداية… قبل أن يتحول الانحناء إلى انكسار كامل.
ومع الوقت، بدأت معاناتها:
فقدت ثقتها بنفسها
تلاشت هويتها
أصبحت تتحرك وفق أوامر
تخشى الخطأ حتى في أبسط الأمور
تشعر أنها لا تستحق حياة أفضل
حتى نظرتها لنفسها تغيرت… وصارت ترى في المرآة امرأة لا تعرفها.
الانهيار… اللحظة التي غيّرت كل شيء
في إحدى الليالي، وبعد مشادة قاسية، جلست ليلى تبكي بصمت.
لم تكن تبكي على الموقف نفسه… بل على سنوات طويلة ضاعت وهي تحاول أن تكون “مقبولة”.
كان ذلك الانهيار بداية الوعي… اللحظة التي أدركت فيها أن المشكلة لم تكن زوجها فقط، بل حدود لم تضعها قط… مع الجميع.
العلاج النفسي… وإعادة بناء ليلى من جديد
قررت ليلى طلب المساعدة، وكانت أول جلسة مع المعالجة النفسية نقطة تحول.
في كل جلسة كانت تكتشف جزءًا منها مدفونًا خلف سنوات من الإرضاء القسري.
تعلمت أشياء لم تتخيل يومًا أنها حق لها:
أن تقول “لا” بدون خوف
أن تحترم مشاعرها واحتياجاتها
أن ترفض الظلم
أن تضع حدودًا واضحة مع أهلها
أن وجودها أهم من رضا الناس عنها
شيئًا فشيئًا، بدأت ليلى تقف على قدميها.
صوتها الذي كان خافتًا بدأ يظهر… ورأيها الذي كان يُدفن بدأ يُعلن.
القرار… انفصال استردّت به نفسها
بعد شهور من العلاج والتعافي التدريجي، اتخذت ليلى القرار الأصعب… والأشجع.
لم تعد قادرة تتحمل زواجًا يسحق روحها.
انفصلت.
لم يكن القرار هروبًا، بل كان ولادة جديدة لامرأة أدركت قيمتها.
بعد الانفصال… حدود جديدة تُكتب لأول مرة
عادت ليلى لبيتها القديم، لكنها لم تعد كما كانت.
واجهت أهلها بهدوء وثبات:
“أنا بحبكم… لكن حياتي مش ملك حد.”
“هحترمكم… بس مش هعمل حاجة غصب عني.”
“قراراتي مسؤوليتي أنا.”
هذه الجُمل البسيطة كانت أصعب من الانفصال نفسه…
لكنها كانت بداية حياة جديدة.
اليوم… من كانت ضعيفة أصبحت قدوة
ليلى اليوم امرأة مختلفة:
هادئة… قوية… تعرف من تكون، وتعرف ما تستحق.
لم تعد تخشى أن تزعل أحد، لأنها أخيرًا تعلمت ألا تزعل نفسها.
قصتها ليست عن طلاق… بل عن استرداد النفس.
وليست عن معاناة… بل عن شجاعة امرأة اختارت النجاة.
خاتمة المقال
قصة ليلى تُثبت أننا لا نولد ضعفاء…
بل نصبح كذلك عندما نتربى على الخوف، ونُقمع حين نعترض.
لكن العلاج والدعم النفسي قادران على إعادة بناء إنسان من جديد، مهما كانت جروحه قديمة.
وفي النهاية…
قوة ليلى لم تكن في صبرها، بل في اللحظة التي قالت فيها:
“أنا أستحق حياة أفضل.”

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني