كتبت/إيمان محمد جوده

الإحباط والتقليل من اللي قدامك بكلامك
يمثل التواصل البشري حجر الزاوية في بناء العلاقات الإنسانية، سواء كانت شخصية أو مهنية. ومع ذلك، يمكن أن يتحول هذا التواصل إلى سلاح ذي حدين عندما يُستخدم كوسيلة للإحباط والتقليل من شأن الآخرين. إن استخدام الكلمات لتقويض ثقة شخص ما أو لتقليل إنجازاته أو لإشعار الآخرين بالدونية هو سلوك مدمر له عواقب وخيمة على الفرد المتلقي وعلى النسيج الاجتماعي ككل.ولهذا ظاهرة الإحباط والتقليل من قيمة الآخرين عبر الكلمات، مستعرضًا أشكالها، دوافعها النفسية، وتأثيراتها المدمرة على الصحة النفسية والإنتاجية، مع التركيز على أهمية التمييز الإيجابي والتقدير المتبادل.
إن التقليل من شأن الآخرين بالكلام لا يقتصر على الشتائم الصريحة أو الانتقادات اللاذعة، بل يتخذ أشكالاً أكثر دهاءً وتغلغلاً. من أبرز هذه الأشكال هو التهميش أو الاستخفاف بالإنجازات. عندما يبذل شخص جهداً كبيراً ويحقق نجاحاً، قد يقابل ذلك بعبارات مثل هذا لم يكن صعباً حقاً اوأي شخص كان يمكنه فعل ذلك هذا النوع من التعليقات يمحو قيمة الجهد المبذول ويجعل المتلقي يشعر بأن إنجازه تافه أو محض صدفة. شكل آخر شائع هو استخدام السخرية الهدامة أو النقد السلبي المتواصل فبدلاً من تقديم نقد بناء يهدف إلى التحسين، يتحول النقد إلى هجوم شخصي يركز على العيوب بطريقة تجعل المتلقي يشعر بالعجز وعدم الكفاءة. على سبيل المثال، في بيئات العمل، قد يقوم مدير بتقليل أهمية أفكار موظف جديد أمام زملائه، قائلاً شيئاً مثل هذه الأفكار تبدو جيدة نظرياً، لكنها غير واقعية بالطبع مما يقتل روح المبادرة لدى الموظف.
إن فهم دوافع هذا السلوك أمر ضروري للتعامل معه. غالباً ما ينبع التقليل من شأن الآخرين من شعور داخلي عميق بالنقص لدى الشخص الذي يمارس هذا السلوك. عندما يشعر الفرد بعدم الأمان أو يفتقر إلى تقدير الذات، فإنه قد يلجأ بشكل لا واعٍ إلى رفع مكانته عبر خفض مكانة الآخرين. إن إشعار الآخرين بالضعف يمنحه شعوراً مؤقتاً بالقوة والسيطرة. في بعض الحالات، قد يكون الدافع هو الغيرة التنافسية. إذا كان هناك شخص يرى في الآخر تهديداً لمركزه أو نجاحه، فقد يستخدم الكلمات كسلاح لإعاقة تقدمه أو لتشويه صورته أمام المحيطين به. وفي سياق العلاقات الأسرية أو العاطفية، يمكن أن يكون التقليل من الشأن أداة للسيطرة والهيمنة، حيث يحاول الطرف المسيطر زرع الشك في قدرات الطرف الآخر لضمان استمرار اعتماده عليه.
تتجلى الآثار السلبية لهذا السلوك بشكل واضح على الصحة النفسية للفرد المستهدف. التعرض المستمر للتقليل من الشأن يؤدي إلى تآكل الثقة بالنفس. الشخص الذي يُقال له مراراً وتكراراً إنه غير كفء أو أن جهوده لا قيمة لها، يبدأ في تبني هذه الرسائل السلبية واعتبارها حقائق مطلقة عن ذاته. هذا يؤدي إلى ظهور أعراض القلق، والاكتئاب، والشعور المزمن بالإحباط. كما يعيق هذا السلوك النمو الشخصي والمهني. إذا كان الفرد خائفاً من المحاولة أو التعبير عن رأيه خوفاً من السخرية أو النقد الجارح، فإنه يتوقف عن المخاطرة المحسوبة الضرورية للنجاح والابتكار. في البيئات المهنية، يترجم هذا الإحباط إلى انخفاض كبير في الإنتاجية، وزيادة في معدلات دوران الموظفين، وتدهور عام في مناخ العمل.
في المقابل، يقف التقدير والتشجيع كعلاج فعال لمواجهة هذا السلوك. إن الكلمات الإيجابية، عندما تكون صادقة وموجهة، تمتلك قوة بناء هائلة. التشجيع الصادق لا يعني المبالغة في المديح أو تزييف الحقائق، بل يعني الاعتراف الصريح بالجهد المبذول وبالنقاط القوية لدى الآخرين. على سبيل المثال، بدلاً من القول لقد نجحت لأن الحظ كان حليفك يمكن القول لقد أظهرت إصراراً كبيراً في حل هذه المشكلة، وأنا أقدر منهجيتك في العمل هذا النوع من التواصل يعزز الشعور بالكفاءة الذاتية ويشجع على الاستمرار. دراسات علم النفس الإيجابي تؤكد أن بيئة العمل أو المنزل التي يسودها التقدير المتبادل تزيد من مستويات الالتزام والرضا الوظيفي، وتقلل من الضغوط النفسية.
إن معالجة ظاهرة التقليل من شأن الآخرين تتطلب وعياً مجتمعياً وأخلاقياً. على مستوى الفرد، يجب التدرب على التعاطف المعرفي أي محاولة فهم الظروف والدوافع الكامنة وراء سلوك الشخص الآخر، مع الحفاظ على حدود شخصية واضحة ضد الإساءات اللفظية. يجب تعلم كيفية إعادة صياغه النقد السلبي إلى أسئلة بنّاءة أو ملاحظات محددة قابلة للتنفيذ بدلاً من القبول السلبي للتقليل من القيمة. وعلى المستوى المجتمعي، يجب تعزيز ثقافة الشفافية والاحترام في المؤسسات التعليمية والإعلامية والمهنية، بحيث يصبح مدح الإنجاز وتنمية الآخرين هو المعيار، وليس العكس.
في الختام، يشكل استخدام الكلمات للإحباط والتقليل من قيمة الآخرين سلوكاً اجتماعياً مدمراً ينبع غالباً من ضعف داخلي أو تنافس غير صحي. آثاره تمتد من تدمير الثقة بالنفس لدى المتلقي إلى خلق بيئات عمل سامة تتسم بانعدام التعاون والإنتاجية المنخفضة. إن التحول نحو استخدام الكلمات كأداة للبناء والتقدير والتشجيع ليس مجرد مسألة ذوق أو أدب، بل هو ضرورة استراتيجية لبناء مجتمعات أفرادها واثقون، منتجون، وقادرون على تحقيق إمكاناتهم الكاملة. الكلمة إما جسر أو جدار، والاختيار يبقى دائماً في أيدي المتحدثين.

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني