بقلم الفنانة والكاتبة
د . أمينة سالم
فنان قدير بالمسرح القومي
يحتفل الشعب المصري بالعيد ال 74 لجهاز الأمن الوطني تكريما وتخليدا لذكرى موقعة الإسماعيلية 25 يناير 1952م والتي راح ضحيتها خمسون قتيلاَ واكثر من ثمانون جريحاً من رجالات الشرطة المصرية على يد المحتل الإنجليزي الغاشم داخل مبنى المحافظة ؛ ورغم القوة الغاشمة في العدة والعتاد لصفوف جنود العدو الذين بلغوا سبعة آلاف جندي أنذاك في مقابل القوة العددية للشرطة المصرية في المقابل ؛ إلا أن المحتل البريطاني لم يستطع أن يطفئ شموع الإرادة لجنودنا الأبطال ؛ والذين كبدوا العدو 13 قتيل و12 جريح ؛ ولم يستسلموا إلا بعد نفاد ذخيرتهم البسيطة، غير أن موقفهم تجاه عقيدتهم الثابتة دفعت المحتل البريطاني لتأدية التحية العسكرية لطابور رجال الشرطة المصرين عند خروجهم من مبنى محافظة الإسماعيلية الذي أصبح ركاماً ؛ وذلك تقديرا لشجاعتهم واستبسالهم في الدفاع عن موقعهم .ومنذ ذلك أصبح هذا اليوم عيدا للشرطة المصرية .
والآن وبعد أربعة وسبعون عاماً هل يظل الاحتفاء بنفس الشغف مع تلك المتغيرات الحادة وانتشار شتى أنواع التكنولوجيا الحميدة والمغرضة.؟ وهل يظل الاحتفاء بنفس اللون القرمزي لصور البطولة .؟ لون الدماء القانية التي سالت من أبطالنا .؟ أم أن هناك نوع آخر من الدماء غير مرئية مازالت تسيل وبمستويات أخرى.؟ وبأن لكل احتفال مناسبة مغايرة للفرح.. فبعض المناسبات خلقت للتأمل وليس لاجترار المآسي.. وبخاصة مع التحولات المجتمعية المتسارعة ..
يطل علينا عيد الشرطة المصرية هذا العام بتلك اللحظات التي لا نكتفي فيها بالتصفيق فحسب بقدر ما يجب أن نستدعي السؤال .؟ ما معنى الأمن في مجتمع يحمل ذاكرة ثقيلة من التحولات عبر زمن يختزل اللحظة سريعاً ثم يطويها طي النسيان ؛ زمن مشاعر أفقدتها حب وغطرسة المادة ، وبين مؤسسات تقف عند مفترق طرق فيما بين السلطة والمواطن. وهل يقاس قوة الجهاز الأمني فقط بقدرته على فرض النظام حفاظاً على السلطة والنظام ؛ أم بقدرته على إدارة العلاقة بين السلطة والشعب وخاصة في لحظات التوتر وانهيار الضمائر لإشباح أشخاص موتوره تعمل على اشتغال عقول البسطاء بهلامية للمصائر وضبابية للشرائع .
فمنذ نشأة الدولة الحديثة في مصر بمعناها التاريخي المعاصر ومع بداية حكم محمد علي باشا عام 1805 لم تكن الشرطة جهازاً أمنياً فحسب ، بل شاهد مباشر على تلك التحولات المجتمعية كافة ؛ فهي دائما ما تقف عند نقطة التماس بين القانون والشارع .
ومن ثم يأتي السؤال.؟ كيف يحمي الجهاز الشرطي الذاكرة الجمعية لأمة دون أن تفقد الدولة إنسانيتها تجاه شعبها ؛ حقاً هي علاقة معقدة بين مؤسسات حيوية يجب أن يحافظ عليها الجهاز الأمني وبين مجتمع يجب أن يعطي الثقة لمؤسساته الشرطية ؛ وبين ذاكرة وطن لا يجوز تجاهلها ، وبدون هذا الفهم يتحول المجتمع بمؤسساته لهياكل صلبه بلا روح
من ثم فإن المسؤولية بالتأكيد تصبح مشتركة بين رجل الشارع ورجل الأمن كونه جزء من نسيج المجتمع لا جدارا فاصلاً بين السلطة ونظام الدولة وبين المواطن من جهة أخرى.
إن لكل دولة ذاكرة وتاريخ ليس فقط مدون بالكتب ؛ ولكنة محفور في السلوك الإنساني وردود الأفعال التي تفسر عبر التاريخ ؛ والذي يتمثل في المجموعة القيمية من مبادئ القيم وموروثات مجتمعية سامية وسائدة وراسخة لكل شعب على حدا عبر العصور ؛ وبالتالي فإن الجهاز الشرطي هو المنوط بالمواجهة في التو واللحظة عندما يتم التعرض لذاكرة الوطن ؛أو للمؤامرة على انهيار المنظومة القيمية ؛ فيكون أول من يتصدى للأزمة ؛ وأول من يتحمل ردتها كتحول اجتماعي مغاير سلبا أو إيجابا .
ولذلك فمن صميم عمله فرض النظام ، سواء بقوة أو بقدر ما يفرضه عليه الواجب للحفاظ على ذاكرة الوطن من الانفلات والغضب الأعمى وهذا الخلط بين الحق والتباسه بالباطل ، كونهم حراس لذاكرة الوطن ، وبالتالي فإن الجهاز الشرطي يُعد شريكاً أصيلاً في معركة الوعي لا مجرد منفذ للقانون بالتباس المفاهيم واتهامه كونه تابع للسلطة ؛ غير أن تنفيذ القانون بلا وعي يتحول في الغالب الى أداة للصدام .
وفي الآونة الأخيرة وبخاصة بعد أحداث ثورة 25 يناير 2011م والتي حرقوا فيها المجمع العلمي ومؤسسات حيوية مملوكة للشعب المصري ؛ بأحداث من الشغب والغضب الأعمى واتاحة الفرصة لتدخلات أجنبيه غير مرغوب فيها من قبل أشخاص ارهابية غير مسؤولة تواطئوا لإسقاط السلطة والدولة ؛ بالسطو والنهب لمقدرات الشعب المصري الذي ظل يدفع بها للنهوض من دمه عبر السنين .
من هذا المنطلق فهل يتعامل معهم جهاز الأمن الوطني بهوادة .؟ ام بقوة الردع بالقانون .؟ لذا فإن أي قراءة لجهاز الشرطة خارج هذا الإطار يظل قراءة ناقصة لأنها تفصل المؤسسة الشرطية عن السياق الذى انتجها وتعامل معها بشكل اجرائي لا كجهاز اجتماعي سياسي مركب ؛ مغلف بزي رسمي ممثلاً بضابط الشرطة الذى لا يشعر به أحد وهو لا يستطيع أن يفصح عن داخله حتى لأهل بيته ؛ وفرد الأمن الذى يظل واقفاً لساعات طويلة في الشارع سواء في الحر أو البرد ولا يراه أحد من المارة غير أنه رجل الشرطة بوق للسلطة ؛ متناسين كونه إنسان يعيش معادلة قاسية ؛ في كونه يقف متأهبا في كل لحظة تأتى عليه متوترة وهو مطالباً بالانضباط الكامل ومحاطاً بتوقعات متناقضة من مجتمع يريد الأمن والأمان وفي الوقت ذاته يشك في مولاته وكونه بوق لأسياده .
إن المفهوم السائد لحماية النظام والُسلطة قد تغير ، وبالتالي فنحن لسنا أمام جهاز شرطي مؤسسي يحتفىَ به اليوم سوآءا بالتصفيق أو الشجب أو الإدانة ، بقدر ما هو احتفاء بتجربة مصرية وطنية مستمرة ، تتعلم، وتخطئ ، وتصحح ؛ وهنا تأتي القيمة الحقيقة لكونه جهاز الأمن الحامي للذاكرة الجمعية للوطن ، بمؤسساته الحيوية ، والذي يجب عليه أن يردع كل خائن تسول له نفسه بإفساد الحياة الآمنة ، وفي الوقت نفسه يحافظ على المبادئ القيمية للذاكرة الحية بالحفاظ على الوعي من تلك التحولات الضارة التي تشمل الانهيارات الداخلية واللاأخلاقية للإنسان الذي يعيش على أرض مصر ، وتلك التي تظهر في صور من العنف والتطرف واثارة الشغب وبث الفتن والشائعات التي تعمل على تآكل الثقة بينه وبين الشارع المصري . من ثم فإن وزارة الداخلية المصرية أصبحت الآن شريكاً في معركة الوعي لا مجرد منفذ للقانون ومن ثم انحسر الصدام بين المؤسسة الشرطية والمجتمع لازدياد الوعي بالقانون كما ازدادت الثقة بين الشرطي والمواطن فاندثرت العزلة ، وتلاشى الخوف فالتحم المواطن بالأرض والدولة والنظام ؛ مما يجعلنا حقا ندرك أنه ليس بالقوة يطبق القانون بل بالوعي للحقوق والواجبات بين كلا الطرفين ؛ وبالتالي فقد تغايرت استهلاله الاحتفاء بأعياد الشرطة فأصبحت الآن ليس استدعاء للبطولة بقدر ما هو استمرار لها ونوع من التقدير لمجهودات بطولية غير عادية في القدرة على الحفاظ على السلم والأمن بشكل متوازن بين الحيطة والحذر فيما بين الحفاظ على ذاكرة الوطن وبين استنهاض الوعي بنسج خيوط الثقة والتعامل بأقصى درجات ضبط النفس مع المواطن البسيط .
فتحية لكل ضابط شرطة مخلص أمين ، وكل فرد أمن في الشرطة المصرية التي تسهر على أمننا وراحتنا وتحافظ على ذاكرتنا القومية وموروثاتنا ومؤسساتنا الحيوية ؛ وكل التحيا بخاصة لمديريات أمن المناطق الحدودية لمصر المستنفرة بشكل غير مرئي كمرسى مطروح والوادي الجديد وجنوب وشمال سيناء الحبيبة بأقسامها الشرطية والذى يدفع الجهاز الوطني فيها برجال أكفاء أذكياء وطنيين مخلصين ، تركوا بيوتهم وأولادهم إيماناً وعقيدة برفعة الوطن واستعلاءً لكلمة الحق ، فأصبحوا لنا بمثابة حائط صد أول للعدو في الأمن والسلم للحفاظ على الأرض والعرض والشرف ؛ ليس من أجل مصلحة نفعية ؛ بقدر ما هم حراس لذاكرة بلد عظيم بحجم مصر واستنفارا ومهابة لشعب أصيل يأبوا أن لا ينضب وعيه فتسلب إرادته .
بقلم الفنانة والكاتبة
د . أمينة سالم
فنان قدير بالمسرح القومي
![]()

