بقلم : د/ مى محمد زكي

يمثل التحرش والتعدي على الأطفال من أخطر الظواهر الاجتماعية والصحية التي تفتك ببراءة الطفولة وتترك ندوبًا عميقة وممتدة على مسار حياة الضحية. إن الفترة الطفولة هي مرحلة التأسيس للنمو النفسي والاجتماعي والعاطفي، وأي اعتداء يحدث فيها لا يقتصر تأثيره على اللحظة الراهنة فحسب، بل يمتد ليصوغ ملامح الشخصية والسلوكيات حتى مرحلة البلوغ وما بعدها. إن فهم عمق هذا التأثير، وتعدد أبعاده البيولوجية والنفسية والسلوكية، يعد ضرورة قصوى لحماية الأجيال القادمة وتوفير بيئة آمنة للنشأة.
يبدأ التأثير المدمر للاعتداء في الطفولة على المستوى النفسي الأساسي. يتعرض الطفل لصدمة نفسية حادة ناتجة عن خيانة الثقة والانتهاك الجسدي والعاطفي. هذه الصدمة غالبًا ما تتبلور في اضطراب الكرب التالي للصدمة أو ما يعرف بالـ PTSD. تشمل الأعراض المتكررة الكوابيس، والذكريات الاسترجاعية المؤلمة، واليقظة المفرطة، وتجنب المواقف أو الأشخاص الذين يذكرونهم بالحدث المؤلم. في مراحل النمو المبكرة، قد يظهر هذا الاضطراب على شكل تراجع في المهارات المكتسبة، مثل صعوبات في التحكم في المثانة أو تأخر في تطور اللغة.
أما على الصعيد العاطفي، فإن ضحايا التحرش يواجهون صعوبة بالغة في تكوين علاقات صحية وآمنة في المستقبل. التجربة الأصلية للاعتداء تغذي شعورًا مزمنًا بالعار والذنب والخزي، حتى لو كان الضحية بريئًا تمامًا. هذا الشعور يتطور إلى تدني شديد في تقدير الذات وتصور سلبي للذات، حيث يبدأ الطفل باستيعاب الرسالة بأن قيمته منقوصة أو أنه يستحق المعاملة السيئة. في مرحلة المراهقة والبلوغ، قد يترجم هذا إلى أنماط علاقات مضطربة، سواء كانت علاقات اعتمادية مفرطة أو تجنب كامل للتقارب العاطفي خوفًا من التعرض للأذى مجددًا. بعض الدراسات تشير إلى أن هؤلاء الأفراد يكونون أكثر عرضة للدخول في علاقات مسيئة مجددًا نظرًا لتعودهم على مسار العلاقات غير المتوازنة
التأثير لا يقتصر على الجانب النفسي والعاطفي فحسب، بل يمتد ليشمل التطور المعرفي والسلوكي. الأطفال الذين يتعرضون للاعتداء يظهرون مستويات أعلى من القلق والاكتئاب مقارنة بأقرانهم. في البيئة المدرسية، قد يؤدي هذا القلق إلى تدهور الأداء الأكاديمي، وصعوبة في التركيز، وفي بعض الحالات، الانسحاب الاجتماعي أو السلوكي العدواني كرد فعل دفاعي. السلوك العدواني لدى ضحايا التحرش غالبًا ما يكون تعبيرًا عن الغضب المكبوت والعجز الذي شعروا به أثناء التعرض للإيذاء. إن الدماغ، وتحديدًا منطقة الحصين المسؤولة عن الذاكرة وتنظيم الاستجابات للتوتر، يتأثر بشكل مباشر بالتعرض المزمن للإجهاد الناتج عن الصدمة، مما يعيق الوظائف التنفيذية العليا
عندما ينتقل الأثر إلى مرحلة البلوغ، تتجلى العواقب في شكل مشكلات صحية جسدية ونفسية مزمنة. هناك ارتباط وثيق ومثبت بين التعرض للصدمات في الطفولة (ACEs) وزيادة مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة في وقت لاحق من الحياة، مثل أمراض القلب، والسكري، والسمنة، واضطرابات المناعة الذاتية. يُعزى هذا الارتباط إلى أن التوتر المزمن الناجم عن الصدمة يغير التنظيم الهرموني للجسم، خاصة محور الإجهاد (HPA axis)، مما يؤدي إلى التهاب مزمن في الجسم
كما أن معدلات تعاطي المخدرات والكحوليات تكون أعلى بين البالغين الذين تعرضوا للتحرش في طفولتهم. يستخدم هؤلاء الأفراد المواد المخدرة كوسيلة للتكيف غير الصحي للهروب من الألم العاطفي المستمر أو لتخدير الذكريات المؤلمة. في سياق العلاقات الحميمة، قد يواجه الضحايا صعوبات جسيمة في التعبير عن الرغبات الجنسية، أو قد ينخرطون في سلوكيات جنسية محفوفة بالمخاطر بسبب التشويش المتعلق بالهوية الجنسية والحدود الجسدية.
إن معالجة هذه الآثار تتطلب تدخلاً شاملاً ومتعدد التخصصات. الدعم النفسي المبكر، خاصة العلاج المعرفي السلوكي المرتكز على الصدمة (TF C BT)، أثبت فعالية كبيرة في مساعدة الأطفال على معالجة الذكريات بطريقة آمنة ومنظمة. بالنسبة للبالغين، تتطلب المعالجة غالبًا جهدًا مستمرًا لفهم كيف تشكل تجارب الطفولة تفاعلاتهم الحالية مع العالم. يجب أن يشمل العلاج إعادة بناء الشعور بالأمان الذاتي والتحقق من صحة مشاعرهم.
في الختام، لا يمكن التقليل من خطورة التحرش والتعدي على الأطفال. إنها ليست مجرد حوادث عابرة بل هي جروح نفسية عميقة تؤثر على التطور البيولوجي والنفسي والسلوكي للضحية عبر جميع مراحل حياته، من تشكيل مفهوم الذات في الطفولة إلى الصحة الجسدية والعلاقات الاجتماعية في الشيخوخة. إن الوعي بهذه الآثار الممتدة هو الخطوة الأولى نحو بناء مجتمعات أكثر يقظة واستجابة، قادرة على حماية أطفالها وتوفير الفرص للناجين منهم للتعافي وإعادة بناء حياة سوية ومستقرة. الوقاية والحماية هما الأساس، والدعم المتخصص هو جسر العبور نحو الشفاء

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني