كتبت / إيمان محمد جوده
الطيبة المفرطة: سيف ذو حدين وآثارها المدمرة على النفس
طالما اعتُبرت الطيبة من أسمى الفضائل الإنسانية، صفة ترمز إلى النقاء الداخلي والتعاطف مع الآخرين، وهي جوهر الأخلاق الحميدة التي يدعو إليها الدين والمجتمع. ومع ذلك، عندما تتجاوز الطيبة حدود الاعتدال لتصبح إفراطًا أو سذاجة، فإنها تتحول من نعمة إلى نقمة، وتصبح أرضًا خصبة للاستغلال والانتهاك. إن مسألة الطيبة الزيادةوما يترتب عليها من كسر للخاطر وتقليل للمكانة هي ظاهرة اجتماعية ونفسية تستدعي التحليل العميق لفهم دوافعها، وآثارها السلبية، وكيفية بناء درع متين يحمي القلب الطيب من جشع الآخرين.
إن الطبيعة البشرية تتسم بالتعقيد، فبينما يقدر البعض الصفاء واللين، يستغل آخرون هذه الصفات كفرص سهلة لتحقيق مكاسبهم الشخصية. الشخص الطيب زيادة هو غالبًا ما يمتلك استعدادًا فطريًا للتضحية براحته وسعادته من أجل إسعاد الآخرين، دون أن يضع حدودًا واضحة لعطائه. هذا الإفراط في العطاء، سواء كان ماديًا أو عاطفيًا أو حتى في التسامح، يخلق لديه صورة ذهنية لدى المحيطين مفادها أنه شخص يمكن الاعتماد عليه دائمًا، ولا يملك القدرة أو الرغبة على الرفض. هذه السهولة في التعامل تولد تدريجيًا نوعًا من الاستخفاف بقيمته ووقته ومشاعره.
من أبرز أضرار الطيبة المفرطة هي التعرض للإيذاء النفسي المتكرر. عندما يتمكن الناس من كسر خاطر هذا الشخص الطيب بشكل متكرر، فإنهم لا يفعلون ذلك بالضرورة بدافع الشر المطلق دائمًا، بل أحيانًا بسبب اعتيادهم على أن طيبته هي جدار لا يتأثر بالصدمات. يتم التقليل من شأنه لأنه يُنظر إليه على أنه يتسامح دائمًا هذا التسامح المبالغ فيه يرسل رسالة ضمنية مفادها أن أفعال الإساءة الصغيرة والمتوسطة لن تواجه برد فعل حاسم، مما يشجع المعتدين على المضي قدمًا. في هذا السياق، يصبح الشخص الطيب ضحية لدائرية سلبية: يقدم الكثير، يُستغل، يتألم، ثم يعود ليقدم المزيد خوفًا من الظهور بمظهر الشخص
إن كسر الخاطر والتقليل من الشأن يضربان في صميم احترام الذات. عندما يتعرض الإنسان الذي يقدم الخير للإهانة أو الجحود، يتراكم لديه شعور مرير بالإحباط والظلم. قد يبدأ الشخص في التساؤل عن قيمة صفاته النبيلة، متسائلاً: ما الفائدة من أن أكون طيبًا إذا كان الثمن هو المعاناة هذا التساؤل هو نقطة تحول خطيرة، فقد يؤدي إلى التراجع عن اللطف والاكتفاء بالردود الدفاعية، أو الأسوأ، التحول إلى مرارة وانغلاق نفسي يمنعه من بناء علاقات صحية في المستقبل. الطيبة التي تُقابل بالاستغلال تفقد بريقها وتتحول إلى عبء نفسي ثقيل.
يكمن جوهر المشكلة غالبًا في الخلط بين الطيبة وبين ضعف الشخصية أو عدم القدرة على وضع الحدود. الطيبة الحقيقية، أو ما يمكن طيبة الواعية تتطلب شجاعة بقدر ما تتطلب تعاطفًا. إن الشخص الواعي يدرك أن الحفاظ على سلامته النفسية والعاطفية ليس أنانية، بل هو ضرورة لاستمرار قدرته على العطاء بشكل مستدام وصحي. فكيف يمكن للشخص أن يملأ كوب الآخرين وهو لا يمتلك ما يكفي في كوبه الخاص؟
للحماية من أضرار الطيبة الزائدة، يجب على المرء أن يتبنى استراتيجيات واضحة. أولًا، يجب إعادة تعريف مفهوم الطيبة لا تعني القبول السلبي لكل ما يمر به المرء، بل تعني التصرف بلطف واحترام مع الحفاظ على كرامة الذات. هذا يتطلب تعلم فن الرفض بلباقة وحزم، وهو ما يُعرف بالحزم الإيجابي.عندما يرفض الشخص الطيب طلبًا يتجاوز قدرته أو يتعدى على قيمه، فإنه بذلك يعلم الآخرين كيف يتعاملون معه باحترام.
ثانيًا، لا بد من إجراء تقييم مستمر للعلاقات. العلاقات الصحية هي التي تكون متبادلة، حيث يتبادل الطرفان الدعم والاحترام. إذا وجد الشخص الطيب نفسه دائمًا هو الطرف المعطي الوحيد، فعليه أن يتراجع خطوة للوراء ويقيم جدوى استمرار هذا الاستنزاف. الأمثلة الواقعية تظهر أن الأشخاص الذين يُستنزفون عاطفيًا غالبًا ما يجدون أنفسهم محاطين بمن يستغلون عاطفتهم بسهولة دون تقديم أي مقابل حقيقي.
ثالثًا، يجب أن يدرك الشخص الطيب أن نيته الحسنة لا تضمن النوايا المماثلة لدى الطرف الآخر. لا يمكننا التحكم في ردود أفعال الناس، ولكن يمكننا التحكم في تصرفاتنا وتوقعاتنا. إن تقليل التوقعات المفرطة بأن الجميع سيعاملوننا بنفس القدر من اللطف الذي نمنحهم إياه هو خطوة حاسمة نحو الحماية النفسية. وعندما تحدث حالات الكسر أو التقليل، يجب التعامل معها بوعي، إما بتحديد مسافة أو بتعبير هادئ عن الألم الناتج عن هذا السلوك، بدلاً من امتصاص الصدمة بصمت.
في الختام، تظل الطيبة صفة أساسية لبناء مجتمع متراحم، ولكن الطيبة التي لا تعرف حدودًا هي دعوة مفتوحة للاستغلال والانتهاك، وتؤدي في نهاية المطاف إلى جروح عميقة في النفس. الحكمة تكمن في تحقيق التوازن؛ أن تكون طيبًا بقلب مفتوح، ولكن بحدود واضحة وعقل حذر. إن الحفاظ على هذه الفضيلة النبيلة يتطلب شجاعة مضاعفة: شجاعة لمنح الخير، وشجاعة أكبر للدفاع عن النفس عند محاولة الآخرين التقليل من شأن هذا الخير أو استغلال صاحبه. الطيبة القوية هي التي تعرف متى تعطي ومتى تحمي كرامتها أولاً.
![]()
