🌍 ما الذي يمكننا أن نبنيه معًا؟

يمرّ العالم اليوم بمرحلة تحوّل غير مسبوقة، تتقاطع فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والبيئية، وتعيد طرح الأسئلة الكبرى:
هل ما زال النظام الدولي قادرًا على الاستجابة لتحديات عصرٍ تتسارع فيه الأزمات؟
من تصاعد النزاعات المسلحة، وتنامي الفقر، وتفاقم أزمة المناخ، إلى انفجار ثورة الذكاء الاصطناعي والمعلومات المضللة، تبدو الحقيقة واضحة: النظام القائم لم يعد صالحًا للواقع الجديد.


⚖️ عدالة غائبة.. ومسؤوليات بلا مساءلة

في عالمٍ يعجّ بالحديث عن حقوق الإنسان، تغيب المساءلة الفعلية عن المشهد.
يُعاد تأهيل الضحايا، لكن قلّما يُحاسَب الجُناة.
دولٌ، وجماعات، وفاعلون من خارج الإطار الرسمي يرتكبون الانتهاكات نفسها دون خوفٍ من العقاب.
هكذا تدور عجلة الأزمات في حلقةٍ مفرغة: معالجةٌ للأعراض دون علاجٍ للجذور.
فمن دون عدالةٍ حقيقية، لا يمكن بناء سلامٍ دائم ولا نظامٍ دولي عادل.


🏛️ الأمم المتحدة.. مؤسسة تبحث عن نفسها

المنظومة الأممية التي قامت على أنقاض الحرب العالمية الثانية، لم تعد تعبّر عن توازنات العالم الراهنة.
قوى كبرى انسحبت جزئيًا من تمويلها، ما يهدّد استمرارية وكالاتها وبرامجها الحيوية.
أما الجنوب العالمي، فما زال على هامش القرار الدولي.
العالم تغيّر، لكن المؤسسات لم تتغيّر.
لذلك، لا بد من إعادة نظر جذرية في بنية الأمم المتحدة وآليات تمويلها وتمثيلها، كي تستعيد شرعيتها وقدرتها على التأثير.


🌐 الغرب والعقل المهيمن

لا تزال النظريات والمفاهيم التي تحكم العلاقات الدولية وليدة الفكر الغربي، فيما تُهمَّش الرؤى القادمة من الجنوب.
الاعتراف بالتنوّع المعرفي ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة لإنصاف العالم المتعدد الثقافات.
فما يصلح لسياقٍ غربيّ قد لا ينجح في بيئةٍ أخرى، ولكل مجتمع خصوصيته الثقافية والسياسية.
لقد آن الأوان لتحويل هذا التنوع من الهامش إلى المركز في صياغة النظام العالمي الجديد.


🤝 التعاون الإقليمي.. الحل الأقرب والأكثر واقعية

الأزمات العابرة للحدود — من تغيّر المناخ إلى الهجرة والفقر والأمن السيبراني — لا يمكن حلّها بمنطق الدولة المنغلقة.
الحلّ في الشراكة الإقليمية التي تقاسم الأعباء وتخفّض التكاليف وتضاعف الفاعلية.
التجربة تثبت أن ما تعجز عنه الدول منفردة يمكن أن تنجح فيه مجتمعة.
التعاون لم يعد خيارًا ترفيًّا، بل ضرورة وجودية.


🤖 التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.. سلطة جديدة بلا ضابط

التطور التكنولوجي خلق فجوة ضخمة بين صانع القرار والمواطن العادي.
قراراتٌ مصيرية تُتخذ في غرف مغلقة، بينما الشعوب تتابع من بعيد دون فهمٍ أو مشاركة.
هذا الخلل يمنح الأفضلية لمن يملك أدوات التقنية والتحليل.
ولذا، أصبحت حوكمة التكنولوجيا وأخلاقياتها من أولويات العصر، لحماية الإنسان من أن يتحول إلى رقمٍ في معادلة بلا روح.


💔 العالم بحاجة إلى شفاء جماعي

العالم يعيش سلسلة من الصدمات المتلاحقة — حروب، أوبئة، كوارث، أزمات اقتصادية — دون فرصةٍ للالتقاط أو المراجعة.
وكما يحتاج الإنسان إلى علاجٍ بعد الصدمة، يحتاج الكوكب إلى تعافٍ شامل يعيد التوازن والإنسانية إلى مقدّمة المشهد.
ولا يتحقق ذلك إلا بالاعتراف الجماعي بالأخطاء، وتعزيز العدالة، وبناء مسارات حقيقية للسلام.


👥 الإنسان أولًا.. لا نظام بلا مواطن

رغم كل الحديث عن السياسات والأنظمة، يبقى الإنسان هو محور التغيير.
الشباب، والنساء، والمجتمعات المحلية هم القوة التي تبني الغد، لا القرارات البيروقراطية.
إعادة الثقة في المؤسسات تبدأ من إشراك الناس لا إقصائهم.


🔮 بين الانهيار والنهضة

النظام العالمي الحالي يترنّح، لكنه لم يسقط بعد.
الفرصة ما زالت قائمة لبناء عالمٍ جديد أكثر عدلًا وتوازنًا وإنسانية.
الاختيار أمامنا جميعًا:
إما أن نستمر في إعادة إنتاج الأزمات،
أو نمتلك الشجاعة لنرسم مستقبلًا مختلفًا… معًا.


 ✍️ كلمة ختامية

في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات وتختلط فيه الأصوات، لم يعد السؤال: من المخطئ؟ بل: من الشجاع بما يكفي ليبدأ البناء من جديد؟
العالم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الخطط بقدر ما يحتاج إلى إرادة مشتركة تُعيد للإنسان مكانته في قلب القرار، وتحوّل الخوف إلى فعل، واليأس إلى تصميم.
إننا، شعوب هذا الكوكب، لسنا متفرجين على مشهد الانهيار، بل شركاء في صناعة الغد.
فلنبدأ من حيث نحن، بما نملك، ومع من يؤمن بأن المستقبل لا يُكتب بالصدفة، بل يُبنى بالإرادة والعمل المشترك.
ما الذي يمكننا أن نبنيه معًا؟
الإجابة تبدأ الآن… ومن هنا.

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني