بقلم محمد أكسم
بلاشك أن الإنترنت لم يعد الان مجرد وسيلة للترفيه أو الدراسة فحسب ، بل أصبح عالماً موازياً يتشكل فيه وعي الأطفال ويتحدد من خلاله فهمهم للعالم برمته.
إن الجيل الحالى ينمو وهو محاط بالشاشات، يكتسب لغته الأولى من مقاطع فيديو قصيرة والعاب الإلكترونية، ويكون أفكاره من منصات تواصل ليس لها حدود.
وبينما يتقدم هذا العالم الرقمي بخطوات سريعة، تتراجع قدرة الأسرة على الرقابة، فتظهر فجوة واسعة بين ما يتلقاه الطفل وما يدركه أهله.
وهنا السؤال: كيف يتشكل وعي الجيل الجديد خارج رقابة الأسرة، وما تأثير ذلك على قيمه وسلوكه؟
بالفعل أصبح الإنترنت جزءاً كبيراً من الحياة اليومية للطفل، إلى حد أنه يمثل واقعاً موازياً يشارك فيه، يتعلم منه، ويتخيل عبره.
لم تعد ألعاب الشارع أو القراءة هي مصادر المعرفة الأساسية كما كان فى السابق، بل حلت محلها الألعاب الإلكترونية ومنصات الفيديو، التي تقدم محتوى جذاباً قادرا على أسر انتباه الطفل لساعات.
إن هذا الواقع البديل يقدم له لغة جديدة، وصوراً قد لا تتوافق مع عمره أو قيم أسرته، مما يجعل وعيه ينمو وفق معايير افتراضية أكثر منها واقعية.
بينما تحرص الأسرة على مراقبة المدرسة والأصدقاء، يقف الإنترنت كمنطقة مفتوحة بلا حارس.
يستطيع الطفل التنقل بين مقاطع ومحتويات بلا نهاية، بعضها تعليمي ونافع، وبعضها الآخر يحمل رسائل مشوشة أو خطرة.
حيث أن المحتوى الموجه للأطفال لا يخضع دائمًا لمعايير تربوية، بل لمعادلة الفيديوهات والمقاطع، ما يجعل كثيراً منه قائماً على الإثارة والصدمة لجذب الانتباه.
وفي الوقت نفسه، قد يتأثر الطفل بشخصيات افتراضية أكثر مما يتأثر بوالديه، فيعيد تقليد أسلوبهم ويتبنى قيمهم.
كما يواجه الآباء تحدياً كبيراً في محاولة فهم العالم الذي يعيش فيه أطفالهم, الجيل الأكبر نشأ في زمن منطقته محدودة وواضحة، بينما يعيش هذا الجيل الجديد في فضاء بلا حدود.
هذا الاختلاف يخلق فجوة في التواصل، حيث يبدو بعض تصرفات الأطفال غريبة أو مبالغ فيها بالنسبة للكبار، بينما يعتبرها الطفل طبيعية لأنها جزء من عالمه الرقمي.
ومع هذه الفجوة، تتراجع قدرة الأسرة على التوجيه، وتصبح نصائحها أقل تأثيراً على طفل يتلقى توجيهاً مختلفاً من عشرات المؤثرين يومياً.
حيث أن شبكات الإنترنت لا تنقل المعلومات فقط، بل تبني منظومة قيم جديدة. فهي تعرف الطفل على ثقافات مختلفة، لكنها في الوقت نفسه قد تزرع قيماً بعيدة عن بيئته, يتعرف الطفل عن الشهرة السريعة، وعن الترند، وعن المقارنة المستمرة التي تجعله يشعر بأن عليه أن يكون نسخة مثالية من نفسه ليحصل على الإعجاب.
كما قد يتأثر بمعايير جمالية بعيدة عن الحقيقة، أو بسلوكيات متهورة يقدمها البعض على أنها طريفة أو عادية، فتتشوه لديه الحدود بين المقبول والخطر.
وهنا يبدأا دور الأسرة فى بناء علاقة حوارية قائمة على الثقة، تجعل الطفل قادراً على مشاركة ما يراه دون خوف أو شعور بالذنب.
فالتربية اليوم لم تعد قائمة على المنع، بل على التوجيه وتقديم بدائل ذكية وآمنة.
كما أن مرافقة الطفل في استخدام الإنترنت، وتقديم محتوى مناسب له، يساعده على التمييز بين الحقيقي والافتراضي.
في الوقت نفسه، يحتاج الكبار إلى تطوير وعيهم الرقمي، حتى يتمكنوا من مواكبة أبنائهم بدل تركهم يتعلمون وحدهم في فضاء مفتوح.

Loading

By عبد الرحمن شاهين

مدير الموقع الإلكتروني لجريدة الأوسط العالمية نيوز مقدم برنامج اِلإشارة خضراء على راديو عبش حياتك المنسق الإعلامي للتعليم الفني