بقلم✍️د.مروة الليثي استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري
في عالمنا المتسارع، أصبح الشعور بـ “الضغط” أو “التوتر” جزءاً طبيعياً من حديثنا اليومي، حتى اعتدنا عليه كرفيق دائم. ولكن، خلف هذا الاعتياد يختبئ خطر داهم يصفه الأطباء بـ “القاتل الصامت”. إنه التوتر المزمن؛ تلك الحالة التي لا تنتهي بانتهاء موقف مزعج، بل تظل تنهش في جسدك وعقلك دون أن تصدر ضجيجاً.
ما هو التوتر المزمن؟
خلافاً للتوتر المؤقت الذي قد تشعر به قبل امتحان أو اجتماع مهم (والذي قد يكون مفيداً لتحفيزك)، فإن التوتر المزمن هو استجابة الجسم لضغوط عاطفية أو نفسية لفترة طويلة. في هذه الحالة، يظل الجسم في حالة “تأهب قصوى” دائمة، مما يغرق أعضاءك بهرمونات مثل الكورتيزول والأدرينالين دون توقف.
كيف يغتال التوتر أعضاء جسمك؟
لا يكتفي التوتر بإفساد مزاجك فحسب، بل يمتد أثره ليدمر الوظائف الحيوية:
القلب في خطر: الاستمرار في حالة التوتر يرفع ضغط الدم ويزيد من فرص الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية.
انهيار المناعة: يعمل الكورتيزول المرتفع على إضعاف جهازك المناعي، مما يجعلك عرضة للعدوى والأمراض بشكل متكرر.
تدمير الجهاز الهضمي: هل شعرت يوماً بألم في المعدة عند القلق؟ التوتر المزمن هو الصديق الوفي للقولون العصبي وقرحة المعدة.
شيخوخة الدماغ: تشير الدراسات إلى أن التوتر المستمر قد يؤدي إلى انكماش في مناطق معينة من الدماغ مسؤولة عن الذاكرة والتعلم.
علامات التحذير: هل أنت ضحية؟
قد لا تدرك أنك تعاني من توتر مزمن حتى تظهر الأعراض الجسدية، انتبه لهذه الإشارات:
صداع مستمر لا يستجيب للمسكنات العادية.
اضطرابات في النوم (الأرق) أو استيقاظ متكرر.
سرعة الانفعال على أبسط الأمور.
آلام في الرقبة والكتفين نتيجة الشد العضلي الدائم.
خطة النجاة: كيف توقف القاتل الصامت؟
الخبر الجيد هو أن “برمجة” رد فعل جسمك تجاه الضغوط ممكنة عبر خطوات بسيطة ومستمرة:
قاعدة الـ 4-7-8 للتمفس: استنشق الهواء لمدة 4 ثوانٍ، احبسه لـ 7، ثم أخرجه ببطء في 8 ثوانٍ. هذا التمرين يرسل إشارة فورية لدماغك بأنك في أمان.
التفريغ بالكتابة: لا تترك أفكارك تدور في حلقة مفرغة داخل رأسك؛ كتابة مخاوفك على الورق يقلل من حدتها النفسية.
الرياضة كدرع واقي: الحركة ليست للياقة البدنية فقط، بل هي أقوى وسيلة لتصريف هرمونات التوتر من دمك.
وضع الحدود: تعلم قول “لا” للالتزامات التي تفوق طاقتك؛ فصحتك النفسية ليست مساحة للمجاملة.
كلمة أخيرة
التوتر المزمن ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة لنمط حياة يحتاج إلى إعادة ضبط. تذكر أنك لست مجبراً على حمل العالم فوق كتفيك؛ فجسدك هو منزلك الوحيد، فلا تسمح للتوتر بأن يهدم أركانه بهدوء.
![]()
