بقلم د.مروة الليثي استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري
لم تعد الطمأنينة ترفًا نفسيًا نبحث عنه في أوقات الفراغ، بل صارت مطلبًا أساسيًا للبقاء.
في زمنٍ تتسارع فيه الضغوط، وتتشابك فيه الأدوار، ويُطالَب الإنسان بأن يكون قويًا طوال الوقت، أصبحت النفس أول ما يُستنزَف… وآخر ما يُلتفت إليه.
نعيش أيامًا مزدحمة بالمسؤوليات، محمّلة بالتوقعات، محاطة بمقارنات لا تنتهي، حتى صار القلق حالة اعتيادية، والتوتر رفيقًا دائمًا، والراحة النفسية حلمًا مؤجلًا.
نؤدي أدوارنا بإتقان أمام الآخرين، بينما بداخلنا ضجيج لا يهدأ، وأسئلة مُرهقة، وخوف من الانكسار لا نُجيد الاعتراف به.
المؤلم أن كثيرين باتوا يشعرون بالذنب حين يطلبون الطمأنينة، كأن الراحة ضعف، وكأن الاعتناء بالنفس أنانية. فنواصل الضغط على أرواحنا، ونؤجل الاحتواء، ونتجاوز الألم مرة تلو الأخرى… حتى ننهك.
الطمأنينة ليست غياب المشكلات، بل القدرة على مواجهتها دون أن نفقد أنفسنا.
هي أن ننام دون صراع داخلي، أن نستيقظ دون ثِقَل، أن نشعر بأننا آمنون نفسيًا حتى لو كان العالم مضطربًا من حولنا.
غياب الطمأنينة لا يظهر فجأة، بل يتسلل تدريجيًا:
في الأرق المستمر، في العصبية الزائدة، في فقدان الشغف، في الإرهاق غير المبرر، في الشعور الدائم بأننا «لسنا بخير» دون سبب واضح.
وحين تُهمَل هذه الإشارات، يتحول القلق إلى اضطراب، والحزن إلى اكتئاب، والضغط إلى انهيار.
نحتاج اليوم إلى إعادة تعريف القوة.
القوة ليست في التحمل الصامت، بل في الاعتراف بالحاجة إلى الراحة.
ليست في الصمود الدائم، بل في التوقف حين تتعب الروح.
وليست في إنكار الألم، بل في التعامل معه بوعي ورحمة.
الصحة النفسية لم تعد رفاهية تُؤجَّل، بل ضرورة تحمي الإنسان من الانطفاء.
والطمأنينة ليست مطلبًا زائدًا، بل حقًّا إنسانيًا أصيلًا، لا يقل أهمية عن الأمان الجسدي.
في عالم يطالبك بكل شيء…
تذكّر أن تطالب أنت بالطمأنينة،
لأنك تستحق أن تعيش لا أن تتحمّل فقط.
![]()
